RSS

خبراء ينتقدون السوق المصرفية السورية..

April 25th, 2010
خبراء ينتقدون السوق المصرفية السورية..

"البيئة السورية الاقتصادية هي بيئة خام" عبارة يحفز بها المسؤولون السوريون رجال الأعمال العرب والأجانب دوماً ليشجعوهم على الاستثمار في سورية، علّهم يكونوا أول من يدشن الخطة الاقتصادية للبنوك وقطاع النقل والطيران والاتصالات والطاقة والبورصة، ولكن مع ضرورة الالتزام بالتشريعات التي تصدرها الحكومة السورية لتنظيم الاستثمار، ورغم أن هذه التشريعات تأتي دوماً متأخرة وتكون الدول الأخرى قد سبقتنا بصدورها بسنين إلا أن شعار سورية الاقتصادي المرفوع دوماً هو "أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً" و"رب ضارة نافعة"، ولكن التأخر أيضاً في إعداد دراسات التشريع المزمع صدوره وامتدادها لعدة سنوات يفرض أن تصدر بأقل قدر من الثغرات والمشاكل، وهذا مالا يكون غالباً، فالتشريعات السورية تهيأ منافذ كثيرة للاحتيال عليها، أو أنها تهمل حالات عديدة ولا تفي بالغرض، بسبب ضعف الكفاءات العاملة في إعدادها أو عدم درايتها بواقع السوق السوري، وخاصة إن ضمت خبراء أجانب هم بعيدون كل البعد عن واقع السوق السوري.
وإذا انتقلنا في الحديث من العام إلى الخاص لنرى ما الذي تحقق على صعيد السياسة المصرفية حصراً بعد صدور التشريعات التي سمحت بدخول المصارف الخاصة للسوق والأخرى المنظّمة لآليات عملها وشروطه، نرى أن البنوك لم تثبت جدارتها إما لتقييدها ببعض التشريعات الحكومية، أو لارتباطها بالخارج وتعاملها غير السليم مع البيئة الخام السورية، فالمصارف الإسلامية مثلاً تعاني من عدم توفر الأطر القانونية والضريبية وعدم استكمال المعايير الموحدة لتنظيم عمل المصارف، بالإضافة لعدم توافر الكوادر البشرية ذات الخبرات المتعددة المصرفية والمحاسبية والشرعية، كما تعتمد المصارف الإسلامية السورية المرابحة أكثر من الصيغ الأخرى، هو الذي قارب في أذهان المتعاملين والمستفيدين منها المقاربة بين البنك الإسلامي والتقليدي، وتفتقد البنوك الإسلامية للصكوك لكي تستطيع الدخول بمشاريع استثمارية حيوية، وهي تطالب بذلك لكن البنك المركزي لم يعطي الهيكلية لشيء اسمه صكوك وسندات خزينة وهو ـ كما يرى بعض الخبراء ـ  ليس لديه التجربة الكافية ولازال يتعلم من أخطاء السوق، كما يوجد قيود كثيرة على نقل الأموال بالعملة الصعبة وقيود أخرى غير لازمة حالياً ويأخذون على المصارف الإسلامية عدم قدرتها على الدخول بمشاريع كبيرة مخاطرها عالية، وعدم خبرتها بالسوق السورية.
كما يحتاج القطاع المصرفي في البلد لمزيد من الاهتمام من قبل السلطات المعنية و المؤسسات العربية والدولية المعنية، فالسياسة الاقتصادية السورية ـ كما يؤكد رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي جاسم المناعي ـ تعتمد بشكل عام على السياسة المالية أكثر من اعتمادها على السياسة النقدية، ويرجع ضعف الأخيرة إلى خضوعها إلى  وزارات المالية أو الاقتصاد، وبالتالي عدم استقلالية البنوك المركزية، ومثل هذا الوضع لا يقتصر على إضعاف دور البنوك المركزية في ممارسة السياسة النقدية بل يخلق أيضاً في بعض الأحيان تضارب المصالح وخاصة عندما تلجأ وزارات المالية للاقتراض من السوق المحلي والقطاع المصرفي، كما أن اتباع أنظمة صرف ثابتة ومرتبطة بإحدى العملات العالمية لا يتيح للسلطات النقدية كثيراً من المرونة في الحركة للتفاعل مع مستويات النشاط الاقتصادي السائد، وتكون سياساتها في تحديد أسعار الفائدة ليست بالضرورة مرتبطة بالدورة الاقتصادية في بلدانها بقدر ما تكون مرتبطة بأسعار الفائدة في بلد عملة الارتباط.
كما أن استخدام السلطات النقدية أسعار فائدة عالية للدفاع عن أسعار صرف قد تكون أصلاً مرتفعة أو مبالغ فيها قد أضعف من معدلات النمو في هذه الدول من خلال زيادة تكاليف الاقتراض وبالتالي إضعاف حركة الاستثمار، كما تعاني  المصارف الحكومية في سورية من ضعف رسملتها ومن تراكم الديون المعدومة ومن ضعف الكفاءات وتواضع المكننة بشكل لا يتناسب مع الحاجات المتطورة للاقتصاد السوري وهذا يمثل تحدياً هاماً أمام مصرف سورية المركزي
أما عن المصارف الخاصة التقليدية فقد لعبت ـ كما يبيّن الأستاذ في كلية الاقتصاد عابد فضلية ـ دوراً سلبياً من وجهة نظر الاقتصاد الكلي عندما توسعت بعرض القروض السكنية وغير الإنتاجية الأخرى، لذوي الدخل المحدود، على حساب القروض الاستثمارية التنموية، فازداد العرض النقدي في السوق، ما ساهم في دفع الحالة الاقتصادية باتجاه التضخم، فالأموال الهائلة التي صبَّت خلال السنوات الأربع الماضية في خزائن المصارف الخاصة، بدلاً من توجهها إلى مشاريع "إنتاجية استثمارية" حقيقية ومثمرة على المستوى الكلي، بقي جزء كبير منها بسبب الحذر، وعامل الأمان، وغياب الفكر التنموي لدى إدارات هذه المصارف، وكذلك بسبب الأنظمة والقوانين والتعليمات الرقابية الحكومية التي تحكم عمل المصارف الخاصة، مخزناً في أقبية هذه المصارف، وقيمتها في هذه الحالة كقيمة ورق الجرائد القديمة، بينما ذهب الجزء الباقي منها إلى توريط أصحاب الدخل المحدود والمتوسط في قروض لشراء منازل وسيارات خاصة.
كما إنَّ الآثار الكلية الوطنية لمثل هذه القروض تكون موجبة عادة في اقتصاد متوازن هيكلياً ومكثف استهلاكياً، وهي ليست كذلك في اقتصاد أو في مجتمع يفتقد إلى الحدّ الأدنى من المستلزمات الاستهلاكية كالمجتمع السوري.
ومن هنا صدر تشريع حاول تجاوز القصور في منح القروض سامحاً بإحداث مؤسسات مالية مصرفية اجتماعية تهدف إلى تقديم التمويل الصغير المتناهي الصغر بحيث تكون رديفا مكملاً لعمل المصارف الخاصة وتلبي حاجة الشريحة الأكبر من الناس التي لا تجد طلبها في المصارف العاملة حالياً نتيجة سياستها التسليفية التي لا تتوجه إليهم.
وأجزم أن ممارسة مؤسسات التمويل الصغير لعملها سيكشف ثغرات على المستوى القريب تؤدي لصدور تشريع آخر تسبّبه إلحاحات طويلة وعريضة، وسيوصف التشريع السابق بأنه وضعي وليس إلهي، وأن السوق هو الذي ينبه إلى الأخطاء والتجربة هي المحك، وأن البيئة السورية الخام تفرض هكذا أخطاء.

المصدر: رغد البني - مجلة الاقتصادي
أضف تعليق أضف للمفضلة طباعة أرسل لصديق للأعلى

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟


لن نقوم بنشر عنوان بريدك الإلكتروني.