والتأمين تحت وطأة تشبيه بالقمار
المصارف تسدد فاتورة (بغضاء) الفائدة
June 29th, 2010

سقطت المقولة التي تتهم غياب المصارف الخاصة عن السوق السورية، بالتسبب في انحسار مساحات الاستثمار والتوظيفات الرأسمالية، بعد أن شرّعت أبواب وصدّرت التشريعات التي تسمح بإقامة مصارف خاصة، وها هي النتائج الآن حوالى 13 مصرفاً، تعمل بوتائر أداء يمكن توصيفها بالعالية، في تكامل لم تعهده السوق هنا بين العام والخاص والإسلامي.
وعلى التوازي أيضاً أُشرعت الأبواب أمام دخول توءم المؤسسات المصرفية، وهي شركات التأمين التي ترتبط مع المصارف بروابط وثيقة تمليها الطبيعة المتشابهة للنوعين، فكلاهما قطاع خدمة وكلاهما يسدي للآخر حزمة منافع متبادلة، أي ثمة تكامل هنا يجب الاعتراف به، وبما يتيحه من نتائج تستحق أن يصار إلى التفكير بها وبتنميتها بما أنها غالباً هي على شكل أرقام، وقد وصل عدد الشركات- شركات التأمين- إلى 13 شركة ما بين العام والخاص والإسلامي (التكافلي) أي بات من الممكن القول: إن المشهد قد اكتمل وأن السوق السورية قد حققت كامل المواصفات والملامح لتبدو محاكية للأسواق الأخرى الموسومة بالانفتاح.
ثلاثة عشر مصرفاً ومثلها شركات تأمين في واجهة العرض الجديدة للاقتصاد السوري بعد تغيير تام وكامل لحزمة ملامح قديمة مغبَّرة و(كاحتة) فهو التغيير الذي طالما انتظره الجميع من زبون ومتابع وتنفيذي ومنتظر لفرصة عمل راقية في قطاع راقٍ.
الآن وبعد توطين هذا الكم غير القليل من مؤسسات الانفتاح التأميني والمصرفي لابد من التحري عن بعض التفاصيل، وعن حجم الإضافات التي حققها توطين هذه المؤسسات في سياق منظومة الاقتصاد السوري بجسده وروحه الجديدين؟.
وبصيغة أخرى لابد من التساؤل هل حُلت المشكلات التي كنا نقول سابقاً أن غياب المصارف وغياب شركات التأمين أبرز أسبابها؟.
فإن كان غياب هذه المؤسسات تسبب في تعثر حركة التدفقات الرأسمالية للاستثمار لدينا، هل بات بإمكاننا الآن القول إن وجود 13 مصرفاً و13 شركة تأمين قد أدى إلى إنعاش قطاع الاستثمار بالشكل الذي انتظرناه؟ أم وعدنا أنفسنا به واعتقدنا أنه قادم؟.
أم أننا بالغنا قليلاً في حجم التعويل على هكذا مؤسسات في وقت هي ليست إلا مؤسسات كسواها؟.
مهمة تفوق الإمكانات
بالفعل بالغنا قليلاً وربما كثيراً في تعويلنا على المصارف الخاصة والإسلامية وكذلك شركات التأمين التقليدي والتكافلي، وفي انتظارنا للعائدات المرتقبة من توطين هكذا مؤسسات، وهذا يعود إلى عاملين اثنين هما: إن طول فترة حصر القطاعين بالشركات الحكومية وبالتالي غياب الخاص تماماً حفز تهيؤات عن حجم الفرص الفائتة التي كانت ستسعدنا بها هكذا مؤسسات فيما لو كانت موجودة.
أما العامل الثاني فهو أن المسألة دخلت في مضمار الطموحات والأحلام، وهكذا مضمار محكوم بأشياء غير واقعية، فانتظر الجميع من هذه المؤسسات أن (تسحب الزير من البير)، فالمواطن وهو الزبون المفترض انتظر خدمات مصرفية بالغة السخاء وقروضاً تقترب في طبيعتها من المنح والهبات، كما انتظر التنفيذيون إضافات مجزية تحققها المؤسسات الجديدة للاقتصاد السوري وتظهر مباشرة في أرقام النمو والناتج والإنتاج المحليين.
من هنا جاءت المبالغات، وبدأت شرارة الأحاديث عن خيبات أمل من حجم ما ونوع ظاهر وليس مستتر، ما تطلب وقفة وتنظيم حملة توضيحية لم تحصل حتى الآن.
لعلها ثقافة مجتمعنا المصرفية المتواضعة تماماً كثقافته التأمينية، هي التي (ألصقت) بالقطاعين مهاماً جساماً أكبر من إمكاناتهما، وعلينا الاعتراف بأن بعضنا اعتقد أن دخول هذه المؤسسات إلى منظومة الاقتصاد السوري، سيؤدي إلى انتقال هذا الاقتصاد إلى مصاف اقتصادات دول كبرى، تتسم بالرفاهية والنمو بأرقام (صاخبة)، وعندما لا يتحقق ذلك تكون التهمة موجهة إلى الشركات والمؤسسات الجديدة، ونتحدث هنا عن ثقافة متواضعة بالمفهوم العام السائد ولا نقصد التنفيذيين والمتخصصين، فالموظف وهو الزبون المفترض إن للمصارف أو لشركات التأمين، انتظر سلة خدمات طالما كان محروماً منها في سوقه وهي خدمات له فقط، أي ليس لها ما يوازيها من عائدات على الشركات مقدمة الخدمة، وهذا ما قصدناه بالهبات التي انتظرها على شكل تسهيلات موعودة.
الشرط الذي ننساه دوماً!!
الواقع أن ثمة شرطاً لازما وضرورياً لانتعاش قطاعي التأمين والمصارف في أية سوق, خصوصاً إذا كانا قطاعين ناشئين, والشرط هو شرط الزمن الغائب الأبرز حالياً عن قائمة الاعتبارات الملحوظة في بيئة العمل, والظروف المحيطة بأداء نوعي المؤسسات الخدمية في سوقي المصارف والتأمين .
يقال: إننا من ذوي ( البصلات المحروقة ), أي أبدينا إصراراً لافتاً على تعويض عقود طويلة من غياب المصارف وشركات التأمين عن سوقنا, ببضع سنوات قليلة وهذا ما هو غير ممكن وغير وارد في قواميس وأدبيات الاقتصاد, خصوصاً في الجانب المتعلق بقطاع الخدمات الذي يصنف على قائمة أولويات الشعوب الفقيرة كقطاع كمالي لأنه ليس قطاع إنتاج الخبز ولقمة العيش .
إن السنوات القليلة التي مرت على إقلاع المصارف الخاصة بالعمل في سوقنا ليست كافية بعد لترسيخ بصمات واضحة لهذه المؤسسات في المضمار الاقتصادي المحلي, خصوصاً وأن معيار المخاطرة من المعايير الأكثر شهرة, على قائمة الاحتراز التي يحفظها المصرفيون عادة عن ظهر قلب.
كما أنه من الصعب أن تستعيد المصارف ألقها الماضي الذي كان ما قبل التأميم في السوق السورية في وسط جيل جديد نشأ خلال العقود الأربعة التي فصلت حدث التأميم عن المرسوم 28 القاضي بالسماح بإدخال المصارف الخاصة للعمل في السوق, وهذا الجيل غير معتاد وغير مقتنع بالتعاطي مع هكذا مؤسسات كمؤسسات تنموية فاعلة.
فثقافته تحصر علاقته بها, بكونها بيوت مال جاهزة لفك عثراته وإقراضه, بشكل استهلاكي من أجل كسوة منزل, أو شراء أثاث أو زواج أو أقصى ما يمكن هو شراء مسكن .
الأمر ذاته بالنسبة لشركات التأمين, فالثقافة المتاحة في مجتمعنا لا تكفي من حيث مرونته و مرونة مكوناتها من الأفكار لمنح قطاعي التأمين والمصارف جرعة الانتعاش المطلوبة .
• عند حائط التراث
قد نكون أسهبنا قليلاً في الحديث عن ثقافة مجتمعنا كأحد العوائق الواضحة لسيرورة عمل قطاعي التأمين والمصارف, لكن ذلك الإسهاب مطلوب بوحي من أهمية الموضوع, لأننا بصراحة نتحدث عن أهم عقبة مؤثرة على أداء هذين النوعين من المؤسسات يمكن وصفها بالجديدة في سوقنا .
المصارف التقليدية مثلاً كما هي ( تكايا) لفك عثرات المحتاجين, في ثقافة كثيرين في مجتمعنا, كما هي كذلك تبدو لدى كُثر آخرين, مضمار محّرم على التعامل بما أنها تتعاطى الفائدة, والفائدة شكل من لأشكال المحرمات لأنها رِبا, بغضّ النظر إن كان فاحشاً أم لا.
وعلينا أن نتخيل مدى تأثيرات هاتين النظريتين ولو المتعاكستين على الأداء المفترض من المصارف الخاصة أن تبديه في سوق تحت المراقبة والمتابعة القريبة من الجميع!.
على المستوى الأكبر .. يطلب التنفيذيون من المصارف القيام بحراك تنموي فاعل, وضخ التسليفات في قنوات متعطشة إلى التمويل, كالصناعة والزراعة وهكذا طلبات تأتي في ظل نواقص في البنية التشريعية والتنظيمية للسوق .. من شأنها زيادة نسبة المخاطرة في ضخ الأموال في القنوات التي نسميها تنموية, وإن رغبنا بالحديث عن حلقات غائبة فلا بد أن نشير إلى غياب مؤسسات ضمان القروض بالمعنى الحقيقي للكلمة, وغياب المحاكم المصرفية المتخصصة التي تكفل تقصير فترة وزمن التقاضي في النزاعات التي تنشأ مابين المؤسسات المصرفية وعملائها, وكذلك مسائل أخرى تنظيمية تتعلق بالضمانات المسموحة والأخرى الممنوعة, و الرهونات, والحجوزات إلى تفضيل اكتناز الإيداعات على المخاطرة بها في مناخ لم تكتمل شروط الاسترخاء فيه بعد.
• مساطر الوجع المتكرر
وبالنسبة لشركات التأمين ثمة ما هو أصعب حالاً من حال المصارف .. أيضاً فيما يخص ثقافة المجتمع والنظرة إلى القطاع لمَنْ يعلم عنه شيئاً .. أو حالة الجهل به لشريحة مَنْ لا يعرفون عنه شيئاً . فمثلاً ألا يجب أن نسأل عن مستقبل قطاع التأمين في بلد ما زلت نسبة كبيرة من مواطنيه تعتقد أن ثمة تشابهاً بين التأمين والقمار ؟!!. لقد وصلت نسبة مَنْ يعتقدون ذلك إلى حوالى 19% من عينة بحث أجرته هيئة الإشراف على التأمين منذ نحو ثلاث سنوات وكانت النتائج مفاجئة, و أكثر ما يفاجئ فيها أن العينة ليست عشوائية – عينة البحث- بل عينة منتقاة من طلاب وموظفين وتجار وصناعيين, ولنا أن نتخيل المشهد وكم هو مذهل !!. البحث ذاته يقول: إن نسبة كبيرة من المبحوثين يعتقدون أن التأمين مخالف للدين, ونسبة كبيرة أيضاً لا يعرفون الفرق بين المؤسسة العامة السورية للتأمين ومؤسسة التأمينات الاجتماعية, وخلاصات كلها من النوع الذي يجذب ويشد ويترك شعوراً بالمفاجأة لأنه من غير المتوقع أن تكون ثقافة سوقنا متواضعة إلى هذا الحد . من هنا تحدثنا عن شرط الزمن المطلوب لانتعاش المصارف وشركات التأمين وجميع الشركات الجديدة الداخلة إلى سوقنا تحت عنوان الانفتاح, لأنه ثمة مفاهيم صعبة خاطئة مسيطرة على طيف واسع من مجتمعنا, ومن سيتكفل بإزالتها هو الزمن لأن الجهود الهادفة إلى ذلك تتطلب زمناً .
فلا تغفلوا شرط الزمن للأننا أمام قطاعات معروفة باستدامتها وليس مجرد ( سوبر ما ركات ) عمرها الأعظمي بضع سنوات وتسقط!!.
المصدر: البعث